الشيخ السبحاني
174
التوحيد والشرك في القرآن
مع مؤلف المنار في تفسير حصر الاستعانة : إن مؤلف المنار تصور أن حد التوحيد هو : أن نستعين بقدرتنا ونتعاون فيما بيننا - في الدرجة الأولى - ثم نفوض بقية الأمر إلى الله القادر على كل شئ ، ونطلب منه - لا من سواه - ويقول في ذلك : " يجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل لإتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة وأن نتعاون ، ويساعد بعضنا بعضا ، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شئ ونلجأ إليه وحده ، ونطلب المعونة للعمل والموصل لثمرته منه سبحانه دون سواه " ( 1 ) . إذ صحيح أننا يجب أن نستفيد من قدرتنا ، أو من العوامل الطبيعية المادية ولكن يجب بالضرورة أن لا نعتقد لها بأية أصالة وغنى واستقلال وإلا خرجنا عن حدود التوحيد . فإذا اعتقد أحد بأن هناك - مضافا إلى العوامل والقوى الطبيعية - سلسلة من العلل غير الطبيعية التي تكون جميعها من عباد الله الأبرار الذين يمكنهم تقديم العون ( 2 ) لمن استعان بهم تحت شروط خاصة وبإذن الله وإجازته دون أن يكون لهم أي استقلال لا في وجودهم ولا في أثرهم ، فإن هذا الفرد لو استعان بهذه القوى غير الطبيعية مع الاعتقاد المذكور - لا تكون استعانته عملا صحيحا فحسب بل تكون - بنحو من الأنحاء - استعانة بالله ذاته كما لا يكون بين هذين
--> ( 1 ) المنار : 1 / 59 . ( 2 ) البحث مركز في أن طلب العون والحال هذه شرك أو لا ؟ وأما أنه هل أعطيت لهم تلك المقدرة على العون أو لا ؟ فخارج عن موضوع بحثنا ، وإنما إثباته على عاتق الأبحاث القرآنية الأخرى وقد نبهنا على ذلك غير مرة .